هل تملك الصين استراتيجية للتوسع العسكري في البحر المتوسط؟

admin . أخبار 42 لاتعليقات

أخذ الجيش الصيني يطوّر في السنوات الأخيرة تصوّرًا استراتيجيًا جديدًا بشأن التحديات التي تفرضها البيئة الأمنية الراهنة، وما يجب القيام به لتعزيز نفوذ الصين ومكانتها باعتبارها قوةً عالميةً، على خلاف المبادئ التي بقيت توجّه سياستها الخارجية والأمنية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وعلى رأسها عدم التدخل ومنع الانتشار العسكري في الخارج.

في هذا الإطار، دعا الرئيس الصيني السابق هو جين تاو في خطاب له في عام 2004، اللجنة العسكرية المركزية إلى منح الجيش مهمات جديدة، إضافة إلى الدفاع عن سيادة الصين ووحدة أراضيها وأمنها القومي، تتمثل في حماية مصالحها الاقتصادية والسياسية والأمنية المتزايدة في الخارج.

وفي السياق نفسه، ناقش الكتاب الأبيض للدفاع لعام 2013 مهمات جيش التحرير الشعبي في حماية المصالح الخارجية، مشيرًا إلى عمليات الصين لمكافحة القرصنة في خليج عدن وإجلاء المواطنين الصينيين من ليبيا. كما أكد الكتاب الأبيض لعام 2019 دور الجيش في حماية مصالح ما وراء البحار Overseas Interests للصين، باعتبارها جزءًا لا يتجزّأ من مصالح البلاد الحيوية والاستراتيجية.

وهكذا، صار الجيش مدعوًّا إلى الانخراط في تطوير آليات تدخله الأمنية والعسكرية وأدواته لحماية “الحقوق والمصالح المشروعة للشعب الصيني في الخارج”، بدءًا من جنوب شرق آسيا، مرورًا بالخليج العربي والمحيط الهندي، ووصولًا إلى البحر الأبيض المتوسط.

من أجل ضمان فاعلية هذه المهمات العسكرية في الخارج، ما عاد دور الجيش يقتصر على الدفاع عن المياه الإقليمية والبحار المجاورة فحسب، بل سوف يمتد للدفاع أيضًا عن المحيطات والبحار البعيدة، مع ما يقتضيه ذلك من توفير كل ما من شأنه أن يعزّز قدرات القوات البحرية للقيام بالمهمات المطلوبة.

وبحسب هذا التصور الأمني الجديد، على الجيش أن يعمل على حماية السفن وتأمين طرق التجارة والممرات البحرية الاستراتيجية في أعالي البحار، وتنفيذ مختلف العمليات التي ترتبط بحماية مصالح الصين الإقليمية والعالمية خصوصًا في منطقة شرق آسيا.

وكما يرى الواقعيون الجدد، ستحوّل الصين، قوتها، لا محالة، إلى قوة عسكرية إذا استمر نموها الاقتصادي في التصاعد، بل ستسعى لطرد الولايات المتحدة الأميركية من شرق آسيا. بمعنى ستُعيد سيناريو صعود الولايات المتحدة ذاته عندما طردت القوى الأوروبية من القارة الأميركية بعد تطبيق مبدأ مونرو. ويفترض الواقعيون الجدد أن الدولة لا تكون قوة عظمى إلّا إذا كانت قوة إقليمية، أي لها الهيمنة على محيطها الإقليمي، مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي سابقًا. فهذا الوضع الإقليمي هو الذي يشجع القوى الإقليمية على التحرك خارج محيطها الإقليمي للتأثير في فضاءات أخرى بعيدة.

نماذج القواعد العسكرية الممكنة

يمكن أن تتّخذ القواعد العسكرية الصينية أشكالًا عدة. وعمومًا يميّز مركز دراسات الشؤون العسكرية الصينية في إطار تقويمه واستشرافه العمليات البحرية للجيش الصيني في الخارج بين ستة نماذج يمكن تبنّيها من القادة الصينيين لدعم العمليات الخارجية، وهي:

النموذج الأول: يقوم على استخدام الجيش مرافق الموانئ التجارية لتعويض النقص الحاصل على مستوى القواعد الخارجية، حيث تعتبر هذه المرافئ بمنزلة محطات توقفPit Stops لتقديم الخدمات الأساسية، مثل إعادة تزوّد سفن القوات البحرية بالوقود. في هذا الإطار، هناك بعض المنظرين العسكريين الصينيين يدعو الدول إلى استقبال هذه القواعد، بل الترحيب بها لأنها تساهم في تعزيز الاقتصاد المحلي وتنشيط المنشآت التجارية القائمة[5].

النموذج الثاني: تُستخدم فيه القواعد لدعم المصالح الوطنية الخارجية أكثر مما تُستخدم وتوظف في تعزيز قوتها العسكرية وعرضها. وجدير بالإشارة أن هذا النموذج من القواعد كان شائعًا بين الأمم في القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث طوّر الألمان مثلًا موانئ ومراكز لوجستية لدعم العمليات التجارية في مستعمراتها، لكن من دون أن تُستثمَر في التحصينات الدفاعية أو البنية التحتية لدعم العمليات البحرية[6].

النموذج الثالث: يقوم على الاستخدام المزدوج للقواعد البحرية في الخارج؛ إذ تبيّن للصين، بعد مشاركة قواتها في عمليات مكافحة القرصنة البحرية في خليج عدن والساحل الصومالي في عام 2008، أن عدم وجود قواعد في الخارج عائقٌ كبير أمام صمود القوات البحرية في وجه التحديات التي تواجهها في أعالي البحار، ولهذا السبب كان يُلحّ قائد القوات البحرية الصينية الأسبق دي شو على ضرورة إنشاء قواعد لوجستية ذات استخدام مزدوج تجاري/ عسكري لتسهيل مأمورية حماية المصالح القومية في الخارج[7].

النموذج الرابع: يتجسّد في ما يسمى عقدًا أو سلسلة اللآلئ String of pearls، وهي نظرية مفادها أن الصين في حاجة إلى إقامة شبكة من المنشآت والعلاقات العسكرية والأمنية على طول خطوط المواصلات البحرية لحماية مصادر الطاقة في المحيط الهندي. ويمكن أن تستخدم الصين، بحسب هذا النموذج، البنية التحتية للموانئ التجارية غطاءً لبناء مخازن سرّية للعتاد والأسلحة التي يمكن اللجوء إليها لدعم العمليات العسكرية في الأزمات. وفي هذا الإطار، يمكن في مرحلةٍ ما في المستقبل، أن تتطور العلاقات الاقتصادية مع الدول المضيفة إلى اتفاقات سرية تسمح للبحرية الصينية باستخدام هذه المرافق لأغراض غير تجارية وتحويل الموانئ إلى قواعد عسكرية تديرها الصين بشكل كامل.

النموذج الخامس: طوّره الإنكليز ما بين الحربين العالميتين، ويقوم على الاكتفاء بعدد قليل فقط من القواعد ذات التجهيز الجيد، عوض إنشاء شبكة عالمية من القواعد العسكرية. ومن إيجابيات هذا النوع المساعدة في حصر الدول الحليفة بشكل دقيق، إضافة إلى التقليل من التداعيات السياسية والأمنية المحتملة التي قد تنجم عن هذا الوجود العسكري الصيني في الخارج.

النموذج السادس: نموذج الولايات المتحدة الأميركية التي تملك شبكة معقدة من القواعد، موزّعة جغرافيًا على المحيطات والبحار الرئيسة كلها في العالم، على نحوٍ يسعفها دائمًا في إمداد سفنها ودعم مختلف العمليات البحرية الحربية التي تقوم بها قواتها، إضافة إلى حماية مصالحها القومية في أعالي البحار[10].

عمومًا، إذا كانت الصين تخطّط لبناء وتطوير قوة نسبية من أجل التصدي للتهديدات الأمنية غير التقليدية وإدارة الأزمات الخارجية ذات التأثير المحدود فحسب، مثل عمليات الإجلاء وتنظيم مهمات المساعدات الإنسانية، أو تلك المتعلقة بالنزاعات المنخفضة الحدّة، أو مكافحة الإرهاب، فإن إنشاء قاعدة لوجستية ذات استخدام مزدوج، يعتبر كافيًا بالنسبة إليها لحماية مصالحها في الخارج. أما إذا كانت تنوي القيام بعمليات عسكرية وقتالية كبرى في المحيط الهندي، فإن نموذج عقد أو سلسلة اللآلئ المشار إليه، يبقى الخيار الأقرب والأنسب.

التوسع العسكري الصيني في الخارج

تسعى الصين لإنشاء مجموعة من القواعد العسكرية، أو ما تسميه في أدبياتها “نقط القوة الاستراتيجية” عبر مختلف مناطق العالم. ففي عام 2013، دعت أكاديمية العلوم العسكرية التابعة للجيش الصيني إلى بناء قواعد في الخارج، خصوصًا في المحيط الهادئ والمحيط الهندي، من شأنها أن تقدم الدعم إلى العمليات العسكرية ما وراء البحار، وممارسة النفوذ السياسي والعسكري على المناطق الإقليمية المختلفة.

ويتوافر للصين قواعد رسمية وغير رسمية في دول عدة. وفي هذا الإطار، سبق لها تشييد قاعدة عسكرية رسمية في دولة جيبوتي وتدشينها في عام 2017، وهي القاعدة التي تدّعي أنها تُستخدَم لمكافحة القرصنة في أعالي البحار وتقديم المساعدات الإنسانية وحفظ السلام في القارة الأفريقية وغيرها من المناطق القريبة من خليج عدن.

بينما يبدو أن الغرض منها يتجاوز ذلك، ويتمثل في السعي نحو تحقيق أهداف استراتيجية أخرى، على رأسها حماية شركاتها ومصالحها التجارية وتأمين منابع النفط ومصادر الطاقة، إضافة إلى دعم وجودها وتوسّعها العسكري في القارة السمراء[13]، في إطار منافستها مع الولايات المتحدة ومن لفّ لفّها ودار في فلكها من الدول الغربية.

إلى جانب قاعدة جيبوتي، تثار شكوك قوية بشأن نية الصين أيضًا تحويل ميناء يقع في جزيرة سريلانكا في جنوب آسيا إلى قاعدة بحرية تابعة لها، بعد توقيع اتفاقية أو عقد إيجار بين الطرفين، يسمح لشركة الصين للموانئ التجارية بالتحكم في هذا الميناء والسيطرة شبه الكاملة عليه، وذلك مدة قرن من الزمن. وإذا كان الاتفاق يحظر الاستخدام العسكري للميناء من الدول الأجنبية، فإنه مع ذلك يمكن أن يُستخدم عسكريًا شرط موافقة الحكومة السريلانكية.

وسواء كان هناك ما يثبت صحة هذه الشكوك أم لا، فإن الهند التي تربط أمنها القومي بجنوب المحيط الهندي، باتت تُصرّ على التعبير عن مخاوفها حيال نيّات الصين وخططها الاستراتيجية في المنطقة، حيث ترى أن ما تشيّده هذه الأخيرة من موانئ ومرافئ وطرق تجارية في إطار مبادرة الحزام والطريق، إنما يُدرج في إطار خدمة أهداف وطموحات عسكرية توسعية.

في الإطار نفسه، يشير بعض التقارير إلى أن ثمة محادثات، حاليًا، بين بيجين وكابول لإقامة قاعدة عسكرية في منطقة شمال شرق أفغانستان، المتاخمة لطاجكستان وباكستان[15]، حيث تتوخّى الصين من ورائها رغبتها في توسيع نفوذها الاقتصادي ومراقبة تحركات الحزب الإسلامي التركستاني الانفصالي الذي يقاتل من أجل بناء دولة إسلامية مستقلة في تركستان الشرقية واستقلال إقليم شينجيانغ ذي الأغلبية المسلمة.

كما تستعد الصين أيضًا لبناء قاعدة بحرية وجوية في جنوب غرب باكستان في موقع لا يبعد كثيرًا عن الحدود الإيرانية حيث يتوقع أن تكون من أهم منشآتها العسكرية في الخارج، خصوصًا أن المنطقة تحتضن واحدة من أكبر القواعد الأميركية التي اضطلعت بدور مهم في الغارات الجوية ضد أفغانستان ودول أخرى في الشرق الأوسط في العقد الماضي.

في جنوب شرق آسيا، وقّعت الصين اتفاقية سرية مع كمبوديا تخوّلها حقوقًا في استخدام قاعدة بحرية تُطلّ على خليج تايلاند، مدة ثلاثين سنة. وعلى الرغم من أنه من المفترض أن تُستخدم هذه المنشأة لأغراض تجارية، فإنها قد توظّف أيضًا لاستضافة أفراد الجيش وتخزين الأسلحة والسفن الحربية.

ولا شك في أنّ تمتُّع الصين بهذه الحقوق، سيقوّي نفوذها ويسمح لها بالتوسع الاستراتيجي أكثر في منطقة جنوب شرق آسيا، كما سيدعم بطبيعة الحال مطالبتها بالأراضي المتنازع عليها في منطقة بحر الصين الجنوبي. وبحسب معهد الأبحاث البحرية الصينية CNRI، يدرس الجيش إمكان تشييد قواعد أخرى مستقبلًا في كلٍّ من دار السلام في تنزانيا، وسيتوي في ميانمار وفي جمهورية سيشل أيضًا الواقعة في المحيط الهندي.

وجدير بالإشارة أن الصين شرعت منذ مدة في بناء الجزر الصناعية في جنوبها والعمل على عسكرتها من خلال تزويدها بمعدات ومنشآت دفاعية متطوّرة ومنوّعة[18]. ولا شك في أن هذه الجهود الإقليمية تعكس القوة البحرية الصينية الصاعدة التي أخذت تخطو خطوات جبارة لفرض نفسها بالقوة عن طريق السعي لإنشاء شبكة عالمية من المحطات البحرية والقواعد العسكرية.

 

في الآونة الأخيرة، وقّعت الصين مع إيران اتفاقية عملاقة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تُقدّر بـ 400 مليار دولار وتمتد على 25 سنة؛ إذ ستحصل الصين بموجبها على امتيازات عسكرية في إيران المطلة على الخليج العربي، منطقة النفط الرئيسة. فلا أحد سيستطيع الآن مهاجمة إيران عسكريًا بسبب المصالح الروسية والصينية؛ وسيترجم هذا الوجود بتعزيز قدرات الجيش الإيراني بأحدث الأسلحة، ومنها منظومة الدفاع الجوي الروسية المضادة للطيران والصواريخ إس 400، وفي الوقت ذاته، سيصبح للصينيين والروس تسهيلات بشأن الوصول إلى الخليج العربي، ومن ثم، إلى الشرق الأوسط برمّته. ويأخذ هذا المعطى أهمية أكبر بفضل الامتداد البري، أي الطرق التي ستربط بين الصين وإيران عبر باكستان، وهو وضع شبيه بالطرق التي تربط بين الساحل الشرقي الأميركي والغربي منه، لكن هذه المرة ترتكز على ما يسمى طريق الحرير الذي يُهَيكل التجارة العالمية الآن ومستقبلًا.

ماذا عن البحر الأبيض المتوسط؟

يحظى البحر الأبيض المتوسط بأهمية خاصة في الجيوستراتيجيا الدولية، نظرًا إلى موقعه المتميز؛ إذ يُعدّ معبرًا بحريًا حيويًا للتجارة العالمية، ونقطة وصل بين مختلف جهات العالم. وعلى عكس الولايات المتحدة الأميركية، لم يُعرَف عن الصين أيُّ اهتمام عسكري بحوض المتوسط، ولم يسجل للجيش الصيني أي تحرك يُذكر في هذه المنطقة إلّا بعد أحداث “الربيع العربي”، وبالضبط في عام 2011، عندما أقدمت قواتها البحرية على إجلاء عشرات الآلاف من العمال الصينيين من ليبيا عقب التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي. كما وجدَت بيجين في تدهور الأوضاع في ليبيا وسورية منفذًا وفرصة سانحة لإجراء مناورات عسكرية مشتركة مع موسكو، كانت الأولى من نوعها في حوض المتوسط في عام 2015، بدعوى حماية الأمن البحري من المخاطر التي قد تهدّده في المنطقة.

تحرص الصين على ربط علاقات اقتصادية وتجارية منوعة مع الدول المطلّة على البحر المتوسط، نظرًا إلى أهميته الجيوستراتيجية أيضًا، كما تستثمر بشكل واسع في بناء المرافئ والمحطات البحرية في مجموعة من هذه الدول وتوسعتها. فمنذ السنوات الأخيرة، شرعت الشركات الصينية في تشغيل أو استثمار موانئ عدة، مثل ميناء فالنسيا في إسبانيا، وبيرايوس في اليونان، وحيفا في إسرائيل، وأمبارلي في تركيا، وفي سافونا وجنوة في إيطاليا. وتُبدي الصين أيضًا اهتمامًا متزايدًا بالاستثمار في موانئ عدة في البرتغال.

كما تعمل أيضًا على توسيع استثماراتها في المنطقة لتشمل إنتاج مختلف أنواع الأنابيب والكابلات البحرية وتركيبها. وجدير بالإشارة أن شبكات هواوي الصينية سلّمت مجموعة هينغتونغ الكابل الذي يربط تونس بإيطاليا في عام 2009، وكابلًا مهمًا آخر يربط ليبيا باليونان في عام 2010، الأمر الذي ولّد هواجسَ بشأن استخدام استثمارات الصين التجارية لأغراض غير تجارية، مثل جمع المعلومات الاستخبارية والتعاون البحري/ العسكري في المتوسطخصوصًا أن لمجموعة هينغتونغ ارتباطًا بالجيش الصيني، وسبق أن أسّسا معًا شراكة أكاديمية للبحث في مجال الكابلات البحرية.

 

كما تولي الصين ضفة المتوسط الجنوبية أهميةً قصوى، مستحضرةً بذلك الممرات البحرية الاستراتيجية التي تطل على البحر الأحمر والمحيط الأطلسي، إضافة إلى البحر المتوسط. فبعد انضمام دول المنطقة إلى مبادرة الحزام والطريق، شرعت الصين في بناء موانئ عدة على مستوى المنطقة المغاربية وتوسعتها، نذكر منها ميناءَي بور سعيد والإسكندرية في مصر، وميناء شرشال في الجزائر الذي يُعتبَر من أهم المواقع الحيوية للتجارة والمواصلات البحرية.

ونمت العلاقات الاقتصادية والتجارية الصينية – المغاربية بشكل كبير، خصوصًا مع الجزائر التي أصبحت شريكها الاقتصادي الأول في المنطقة والمستورد الأول للأسلحة الصينية في القارة الأفريقية.

كما أن الجزائر هي البلد المغاربي الأول المستقبل الجالية الصينية، حيث بلغ عدد العمال الصينيين فيها، في عام 2018، أكثر من 60 ألف عامل. ولا شك في أن وصول خط طريق الحرير الجديد إلى سواحل المغرب الكبير يعني وصول النفوذ الصيني إلى بوابة القارة الأفريقية الغنية.

كما يعني أيضًا أن الصين صارت موجودة على حدود أوروبا الجنوبية، وأصبحت صاحبة أضخم مشاريع البنى التحتية، مقارنةً بالدول الغربية في هذه المنطقة، ولسوف ترتبط هذه الدول في المستقبل المنظور بالاقتصاد الصيني، وسيكون عليها ديون ضخمة ينبغي أن تُسدَّد، ومن الممكن أن تُستخدَم من الصين وسيلةَ ضغطٍ للحصول على امتيازات أمنية ما، مثل بناء قواعد عسكرية أو ما شابه كما هي الحال مثلًا في ميناء هامبانتوتا السيرلانكي الذي أشرنا إليه.

بمبرر ضمان سلامة الطرق البحرية التجارية على طول خط الحرير الجديد عمومًا، وفي منطقة المغرب الكبير على وجه الخصوص، سوف تبذل الصين جهودًا دبلوماسيةً كبرى لدى المنظمات الدولية ودول المنطقة، لتُقنعها بضرورة توفير الحماية الأمنية لهذه الاستثمارات والمنشآت. ونجحت الصين من قبل في تحقيق شيء كهذا في عام 2008، حينما نالت موافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بخصوص إمكان توفيرها الحماية الأمنية لسفنها التجارية والسفن الأجنبية في خليج عدن، خصوصًا مع تدهور الأوضاع الأمنية في الصومال وارتفاع معدّل القرصنة في الخليج، ومنذ ذلك الوقت نشرت الصين 16 سفينة حماية في المنطقة.

توازي خطة الصين للهيمنة الاقتصادية على البحر الأبيض المتوسط طموحات خفيّة لإيجاد موطئ قدم لهذه القوة الآسيوية الصاعدة في التوازنات الاستراتيجية والعسكرية القائمة في المنطقة، خصوصًا أنه يتوافر للولايات المتحدة الكثير من القواعد والمحطات البحرية والجوية في البحر المتوسط[26]. وبناء على ذلك، ستبذل الصين التي تنافس الولايات المتحدة على قيادة النظام الدولي، والتي تسعى لأن تصبح أول قوة عسكرية في العالم بحلول عام 2050، قصارى جهدها لإقامة قاعدة أو قواعد عسكرية خاصة، ولا سيما في منطقة الضفة الجنوبية، نظرًا إلى العلاقات الاستراتيجية العريقة التي تربطها ببعض بلدان هذه المنطقة، والتي ما فتئت تتنامى أكثر فأكثر خلال الآونة الأخيرة.

خاتمة

عمومًا، توصّلت هذه الورقة إلى مجموعة من الخلاصات أو النتائج التي يمكن تلخيص أهمها على النحو الآتي:

تشكل السيطرة على الممرات والمضايق البحرية واحدًا من أهم عناصر القوة الاستراتيجية للقوى الكبرى. لذلك، لا تتوانى الصين في توسيع نفوذها البحري، ليس في المحيط الهندي فحسب، بل في مجموعة من المناطق الجغرافية الحيوية الأخرى أيضًا. وفي هذا الإطار، يمكن فهم لماذا تحرص الصين على إقامة نقاط استراتيجية محورية عبر العالم، تشمل موانئ كبرى، مجهّزة بكابلات بحرية وشبكات رقمية وغيرها من التقنيات والخدمات اللوجستية الحديثة والمتطورة.

ثمة مخاوف من استغلال الصين المحطات والمرافئ التي تُنشئها في أغراض غير تجارية وتحويلها إلى قواعد عسكرية، وتتعزز هذه المخاوف أكثر عند استحضار مشاريع تجارية صينية سابقة في جنوب آسيا، مثل ميناء هامبانتوتا في سريلانكا، حيث أصرّ الصينيون على جمع المعلومات الاستخبارية والأمنية ومراقبة حركة المرور البحري فيها.

تتوافر للصين حاليًا قاعدة عسكرية رسمية واحدة، وهي القاعدة التي أقامتها في جيبوتي في عام 2017، لكن يبدو أن الصين ستعمل في المستقبل على تشييد قواعد أخرى على طول خطوط الاتصال البحرية التي تمر عبرها سفنها التجارية، بدءًا من المحيط الهندي، وصولًا إلى البحر المتوسط.

لا يستقيم فهم سعي الصين لإنشاء قواعد عسكرية في الخارج من دون استحضار صراعها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية بشأن قيادة العالم؛ إذ لا يقتصر الأمر على سعيها لحماية مصالحها الاقتصادية وتأمين أساطيلها التجارية فحسب، بل تتوخّى أيضًا وأساسًا توسيع حضورها ونفوذها في مختلف المناطق الإقليمية ذات الأهمية الجيوسياسية والاستراتيجية، ومنها المنطقة المتوسطية.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات صادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

أحمد المرابطي

باحث دكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في مختبر الدراسات السياسية والعلاقات الدولية المعاصرة، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

Slider