ماذا يجري للعالم.. كورونا ونواقيس الخطر

admin . أخبار 48 لاتعليقات

د.وليد عبدالله، باحث وكاتب

حرائق في غابات الامازون رئة العالم؛ حرائق أخرى في غابات استراليا راح ضحيتها ملايين الحيوانات؛ جيوش جرّارة من الجراد في شرق افريقيا تتأهب لأكل الأخضر واليابس؛ مشكلة الاحتباس الحراري التي تسوء يوما بعد يوم؛ وحاليا، فيروس كورونا الذي ظهر في الصين وانتشر في مختلف أنحاء العالم، وأودى بحياة الآلاف حتى الآن. وهو ثالث اخطر وباء يظهر خلال العشرين سنة الأولى فقط من القرن 21.

 بالتزامن مع كل هذا، يعيش العالم ركودا اقتصاديا منذ مايزيد عن عشر سنوات، وحروبا تجارية وأخرى عسكرية وصراعات جيوسياسية كاسرة للعظام. هذا وأكثر، يحدث بشكل درامي ومتواتر على مرأى العالم!

 ماذا يحدث للعالم ياترى؟ ماذا يحدث لكوكبنا؟ وماهو مصير البشر؟ انها أسئلة قد خرجت من مخابر البحث ومراكز الفكر، إلى حقل ملاحظة الانسان العادي، بعد أن بات يرى كل شيء أمامه بالعيّن المجرّدة.

لاشك أن العالم يعيش الآن إحدى أصعب مراحل تاريخه. تغيرات كبرى يصعب السيطرة عليها أو التنبؤ بعواقبها، لكنها بكل تأكيد بصدد تغيير حياة البشر على كوكب الأرض والتأثير على مستقلبهم.

لو حاولنا تحديد ملامح هذه المرحلة الحرجة في تاريخ العالم، فيمكن تلخيصها في ثلاثة تغيرات رئيسية: أولا، التغير المناخي؛ ثانيا، تغير النظام الدولي؛ ثالثا، العولمة والثورة الصناعية الجديدة. واعتقد بأن هذه العوامل الثلاث والعلاقات الغامضة والمتداخلة فيما بينها، هي التي تتحكم في حركة الأحداث الدرامية التي نشاهدها فوق المسرح العالمي. وإن فهم العلاقة المعقدة بين هذه التغيرات الثلاث، يمكن أن يساعد البشرية على اختيار طريق التقدم الصحيح في المستقبل.

ان حجم التكلفة التي دفعتها الطبيعة في البرّ والبحر والجوّ منذ الثورة الصناعية الأوروبية إلى الآن قد تفوق تصوراتنا الحالية. فقد اعتمد الانسان العلم والتقنية لقرون من أجل اكتساح الطبيعة واستغلالها في سبيل الانتاج والربح. عوضا عن فهمها وفهم علاقته بها ومايمكن أن يترتّب عن تخريبها. وقد استطاعت الدول الغربية التي كانت سبّاقة لحيازة العلوم والتقنيات الحديثة أن تصبح المهيمنة على العالم والكرة الأرضية منذ الثورة الصناعية أواسط القرن التاسع عشر. وقد دفع البشر والطبيعة على حد السواء اثمانا باهظة بسبب هذه الهيمنة. ولاتزال الدول المتقدمة الى اليوم، الأكثر تورطا في جرائم الانسان ضد الطبيعة، بسبب طول تجربتها الصناعية مقارنة ببقية دول العالم.

أما المرحلة الثانية من جرائم الانسان ضد الطبيعة فبدأت مع دخول الدول النامية طور التصنيع. ففي الوقت الذي لاتزال فيه الدول المتقدمة تعتمد الطاقة الملوثة للبيئة، دخلت العديد من الدول النامية معمعة التصنيع بشكل عميق وشامل. وخلال هذه المرحلة، لم تكتفِ الدول الغربية بعدم نقل التكنولوجيا الصناعية المتقدمة للدول النامية فحسب، بل قامت بنقل صناعاتها الأكثر تلوثا اليها، وانصبّ همّها الرئيسي حول اقتناص فرص الانتاج بتكلفة متدنية ومضاعفة الأرباح، والحصول على حصص أكبر في سوق الطبقة الوسطى الجديدة. وهكذا بات البشر بشقيه المتقدم والنامي يشن حربا شاملة على الطبيعة. واليوم لم تعد مشاكل الطبيعة مجرد قضايا بحثية لدى العلماء وخطابا نضاليا لدى النخب المثقفة، بل قد أصبح جميع سكان العالم يشاهدون غضب الطبيعة في حياتهم اليومية.

مع دخول الدول النامية مرحلة التصنيع أواخر القرن الماضي، استطاعت عدّة دول نامية أن تحقق نموا سريعا وتدخل إلى مصاف أكبر الاقتصاديات العالمية. وبات لهذه الدول الناشئة وزنا أكبر في النظام الدولي وموازين القوى العالمية. والى جانب الصين التي أصبحت ثاني اقتصاد عالمي، أخذت مجموعة العشرين موقع مجموعة الدول السبعة المصنعة، كأهم منظمة لمناقشة السياسات العالمية.

وقد أسهم نهوض الدول الناشئة في اعادة توزيع الثروة وموازين القوى العالمية. وهو الأمر الذي لم يرق للعديد من الدول الغربية سيما الولايات المتحدة الأمريكية، رأس النظام الدولي. والتي رأت في الصين وتنميتها وسياساتها ومخططاتها خطرا على مكانتها القيادية. وكان من بين نتائج هذه الرؤية، الحرب التجارية بين البلدين، والسياسات الأمريكية الهادفة لمحاصرة الشركات الصينية. وفي ذات الوقت، ظهرت قوى اقليمية نامية، مثل القوى الاقليمية في منطقة الشرق الأوسط، والتي عززت من نفوذها الاقليمي على حساب القوى الاوروبية التقليدية وزادت في حدّة الصراعات الجيوسياسية.

على ضوء ماتقدم، يمكن القول أن تزامن مشاكل التغير المناخي والقضايا المتعلّقة بالطبيعة مع الحروب والتنافس الدولي والحروب الاقتصادية والصراعات الاقليمية، ليس من محض الصدفة. وانما هو تزامن بين انتشار حركة التصنيع في ارجاء جديدة من العالم وعلاقة ذلك بالبيئة من جهة، وعلاقة النمو السريع للدول النامية بتغير النظام الدولي وموازين القوى العالمية من جهة أخرى. وهذه العلاقات المتداخلة بين البيئة والتنمية والنظام الدولي، هي ماتجعل العالم اليوم يعيش تقلبات عالمية كبرى ومتزامنة تشمل الطبيعة والسياسة والاقتصاد.

بعد أن أدركت الدول المتقدمة والناشئة الثمن الباهظ الذي دفعته الطبيعة جراء عمليات التصنيع وتبعات ذلك على البشر والتنمية المستدامة، سعت الى ايجاد حلول لهذه المعضلة. سواء من خلال التوجه نحو الطاقات النظيفة والصديقة للبيئة كما نرى في أوروبا والصين على سبيل المثال، أو من خلال التوقيع على اتفاقية باريس للمناخ. والتي تهدف إلى ” تثبيت تركيزات الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي عند مستوى يسمح للنظام البيئي بان يتكيف بصورة طبيعية مع تغير المناخ وبالتالي حماية الانسان من خطر يصل الى النقص في الغذاء والماء، و السماح بالمضي قدمًا في ايجاد وخلق سبل للتنمية الاقتصادية علي النحو المستدام.”

لكن مامثل صدمة للمجتمع الدولي هو اعلان ترامب في عام 2017 عن انسحاب بلاده من اتفاقية المناخ، بدعوى أنها “تعرقل الأعمال التجارية وتمنح البلدان الأخرى ميزة”، مشككا في حقيقة وجود تغيرات مناخية من الاصل. وهومايعبّر عن تخلي احدى أكبر الدول الملوثة للأرض عن قضية المناخ وعدم استعدادها لاستيعاب الدروس التي اكتوى بها العالم.

ويأتي تراجع امريكا عن اتفاقية المناخ، في اطار اتجاه عام سلكته ادراة ترامب منذ توليها زمام السلطة بتخفيف الالتزامات الدولية. حيث انسحبت امريكا أيضا من منظمة اليونسكو وخفضت دعمها المالي للامم المتحدة وانسحبت من اتفاقية الصواريخ النووية وتراجعت عن قواعد حرية التجارة ومارست الحمائية. وبدا لسياسة “اعادة امريكا عظيمة مجددا” وجها اخر هو “انا ومن وبعدي الطوفان”.

لكن مايدعو للاسف، هو أن السياسة الأنانية التي تنتهجها امريكا في الوقت الحالي، تأتي في ظل تحديين رئيسيين يطرحان بالحاح على العالم. أولا، هو أن قضية المناخ قد بلغت مستوى لايمكن التهاون بعده. وأن مواجهة المشاكل التي تعانيها الطبيعة بسبب أعمال الانسان تتطلّب جهدا مشتركا من جميع الدول سيما الدول الكبرى، المسؤولة الأولى عن التلوث. عبر تنسيق السياسات وتوفير الدعم المالي والتقني اللازم، وتسريع تحول الاقتصاد العالمي نحو الطاقة النظيفة. وأمام هذه القضايا الملحة، على امريكا أن لاتضع رأسها في الرمال، ولاتفكر سوى في كيفية استعادة امجادها بكبل السبل والطرق.

ثانيا، مع تسارع وتيرة العولمة وثورة الاتصالات والذكاء الاصطناعي وازدياد خطوط النقل بين الدول وحركة السفروالهجرة، تحوّل العالم فعليا إلى قرية صغيرة مترابطة بشكل وثيق ومنكشفة لجميع ساكنيها. وتحول النظام الدولي من النموذج الهرمي، الذي يتحكم فيه الرأس بالقواعد، إلى النموذج الشبكي، اين صارت جميع الدول تمثّل مجموعة من العقد المتصلة فيمابينها داخل شبكة كبيرة. وداخل هذا النظام الدولي الشبكي لم يعد بامكان أي دولة مهما كانت قوتها أن تسيطر على العالم وتوجهه حيث تريد، أو أن تتصرّف بشكل أناني لايراعي مصالح بقية الدول دون أن تكون هي أيضا ضحية لافعالها. وفي ذات الوقت، يمكن لمشكلة خطيرة في دولة صغيرة ما أن تؤثر حسب طبيعتها في الصحة أو البيئة أو الامن أو الاقتصاد العالمي.

وعليه، ونظرا لأننا كبشر نعيش على نفس الارض وتحت نفس السماء والشمس، فإنه أما نقف وقفة واحدة من اجل الطبيعة ومعالجة قضايا المناخ، أو أن نستعد للفناء جميعا. ومن جهة أخرى، ونظرا لأننا نعيش في نظام دولي شبكي، مترابط المصالح والمصير، فإن العولمة بكل ماتحمله من وسائل ربط بين الدول، إما أن نجعلها وسيلة للتقدم والتكامل والتبادل، أو ان تتحوّل إلى آلية لتدويل مختلف الأزمات. ولاشك بأن كورونا اليوم بصدد التلويح بضوئين أحمرين للعالم، تنبيه حول حال الطبيعة التي نعيش داخلها جميعا، وتنبيه آخر حول مصيرنا المشترك. 

الوسوم:

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

Slider