تحليل تداعيات القانون الأمريكي حول الويغور (مقال)

admin . أخبار 64 لاتعليقات

بقلم د. محمد نعمان جلال، سفير مصر الأسبق لدى الصين، وخبير في الدراسات الصينية.

في السابع عشر من يونيو 2020، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مشروع ما يدعى بـ”قانون سياسة حقوق الإنسان تجاه الويغور”، بعد تمريره من مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين. إن هذا التشريع يمس سيادة الصين، ولذلك اعترضت عليه بكين وأيضا بعض الدول العربية والإسلامية، إضافة إلى أنه يمثل انتهاكا للمواثيق الدولية ومنها ميثاق الأمم المتحدة في مادته الثانية، وهو أيضا يمثل انتهاكا لمبدأ السيادة الوطنية. ولكن للأسف فإن الولايات المتحدة الأمريكية تفرض نفسها كقوة عظمى عالمية، وتطرح كثيرا من تلك التشريعات بالنسبة للدول الأخرى في قضايا عديدة، منها ما هو باسم انتهاكات حقوق الإنسان وقضية ما يسمى بمعاداة السامية من الدول الأخرى أو التنظيمات المدنية في تلك الدول، أو انتهاك حقوق الأقليات الدينية أو العرقية. وفي حالة ثبوت الانتهاكات، تعاقب الولايات المتحدة الأمريكية تلك الدول. هذا ما أسماه السناتور الأمريكي الأسبق وليم فوالبريت بـ”غطرسة القوة الأمريكية”، منتقدا السياسة الأمريكية منذ ستينات القرن العشرين. هذه الغطرسة والتعالي الأمريكي زادا الآن عما كانا عليه في ستينات القرن العشرين.

يتناول هذا القانون أو التشريع الأمريكي بالنقد سياسة الحكومة الصينية في منطقة شينجيانغ الويغورية الذاتية الحكم تجاه قومية الويغور المسلمة، والتي هي في جوهرها سياسة عاقلة ومتزنة ومعتدلة وفي إطار سيادتها الوطنية، على عكس موقف الكونغرس الأمريكي الذي يتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وهذا لا يقتصر على الصين وإنما يشمل عدة دول في الشرق الأوسط، بينما لم يصدر حتى الآن تشريعا ينتقد سياسة إسرائيل العدوانية تجاه الفلسطينيين الذين تحولوا إلى لاجئين ودمرت مساكنهم وقراهم ومزروعاتهم، وأعلنت إسرائيل مدعومة من الكونغرس الأمريكي والرئيس دونالد ترامب أن القدس هي العاصمة الأبدية لإسرائيل ونقلت الولايات المتحدة الأمريكية برئاسة الرئيس ترامب مقر السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وضغطت على دول أخرى لنقل سفاراتها إلى القدس، تلك المدينة المقدسة للعرب والمسلمين والمسيحيين وبناها العرب الكنعانيون قبل أن توجد إسرائيل. ونتساءل: هل يستطيع الكونغرس الأمريكي أن يصدر تشريعا بمتابعة انتهاك اليهود الإسرائيليين للأماكن المقدسة للمسلمين أو المسيحيين؟ لقد استولى الإسرائيليون على المسجد الأقصى وعلى دير السلطان في القدس والذي كان مملوكا للمسيحيين المصريين (الأقباط) وأعطوا الدير للمسيحيين الأحباش. ولكن أبناء شينجيانغ وخاصة الويغور لم يتعرضوا لمثل هذا الاضطهاد بل يتمتعون بالحرية الدينية الكاملة.

ينبغي أن نذكر أن قومية الويغور واحدة من القوميات الست والخمسين الصينية، ويقيم في شينجيانغ أبناء حوالي عشر قوميات مسلمة، فضلا عن أبناء قوميات غير مسلمة مثل هان، وهي القومية الأكبر في الصين بأسرها.

 وبما أن شينجيانع منطقة صينية وضمن سيادتها منذ مئات السنين، فان حرية الحركة متاحة لجميع القوميات الأخرى.

 إنني أؤيد سياسة الصين في مكافحة الإرهاب في شينجيانغ أو غيرها من المناطق، فهذا واجب السلطة المركزية في بكين وعلى الجميع أن يلتزموا بهذه السياسة أيا كانت قومياتهم في أي منطقة. وقد زرت شينجيانغ عندما كنت سفيرا لمصر لدى الصين، وبعد ذلك أيضا عندما شاركت في عدة مؤتمرات عن حوار الحضارتين العربية والصينية، وفي أول ندوة حول طريق الحرير قبل أن تعلن المبادرة الخاصة به رسميا. ومن خلال زياراتي العديدة لشينجيانغ، وجدت الويغور شعبا طيبا يؤمن بوطنه الصين ويعمل في إطار نظامها السياسي. إن قلة محدودة هي التي تروج للإرهاب أو للإنفصال عن الصين وهو أمر لا تجيزه أي دولة في العالم. كما زرت شينجيانغ مع وزير الأوقاف المصري الأسبق رحمه الله الدكتور محمود حمدي زقزوق وعدنا في غاية السرور لما يتمتع به أهل شينجيانغ في مختلف أنحائها بحقوق دينية وحريات لممارسة عقائدهم وشعائرهم الدينية في مختلف المدن بما في ذلك مدينة أورومشي حاضرة المنطقة، كما التقيت أكثر من مرة مع المسلمين من الويغور في مدنهم المختلفة. هذا كثر من مرة صلاة الجمعة في مختلف مساجد الاقليم والتقيت وزملاء أخرون مع المركز الاسلامي في هذا ما ينبغي أن يدركه العالم الخارجي. ولا ينبغي أن ننسى أن الفلسطينيين العرب لا تسمح لهم إسرائيل بممارسة حقوقهم في الصلاة في المسجد الأقصى ولا يسمح لهم بالبناء في مدينة القدس التي أنشأها العرب قبل أن يظهر للوجود ما يسمى بالشعب اليهودي.

إن الصين، كدولة تؤمن بالحرية الدينية وبحقوق القوميات المختلفة ومنها قومية الويغور وقومية هوي وغيرهما، وتسمح بحرية العبادة بما لا يمس حقوق قومية أخرى في نفس المنطقة، وهذا هو الإسلام الصحيح الذي يرفض فلسفة العنف والكراهية للآخر كما يرفض خيانة الوطن وعدم احترم قوانينه.

أما عن وسائل الإعلام الغربية، فهي دائما غير محايدة وتلجأ لترويج الأكاذيب ضد الدول الأخرى ماعدا إسرائيل، لأن هذه الوسائل الإعلامية هي أولا مصادر غير مؤهلة لمعرفة القضايا أو المناطق التي تنشر أخبارها؛ ثانيا، هي منحازة بوجه عام وتسير في ركب كل حكومة من حكوماتها وعلى سبيل المثال تغطيتها ما سمي بأحداث الربيع العربي وهو لم يكن ربيعا عربيا وإنما تدبير أجنبي. ومن خلاله تم تدمير دول عربية كانت محورية مثل اليمن وسوريا والعراق وليبيا وغيرها.

إن القضايا السياسية والصراع السياسي من أجل حقوق الإنسان أمر موجود في مختلف الدول، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول الغربية. ونسوق على سبيل المثال، حقوق السود الأفارقة، حيث يتعامل معهم البيض بالتمييز العنصري الذي حاربه الزعيم مارتن لوثر كينغ. ونتساءل: لماذا تقوم هذه الدولة الغربية أو تلك بتحريض الويغور أو سكان هونغ كونغ للعمل ضد دولتهم الصين رغم أن مثل هذا التحريض لا تقبله أي دولة غربية بل تعاقب عليه فاعله والمتجاوب معه. إن الهدف من هذا التحريض هو تدمير الصين وإضعافها. ومثل هذه الأعمال التحريضية والدعائية لا تقبلها ولا تسمح بها أي دولة من الدول الغربية، ولكنها تعمل ضد سيادة واستقلال الصين وتقدمها الاقتصادي والعسكري. والمواطن الصادق المخلص لوطنه هو من يعطي بلاده الأولوية. والإسلام دائما يجعل الأولوية للوطن الذي هو مسقط رأس المواطن. فالصين هي مسقط رأس الويغور كدولة وشينجيانغ مسقط رأسهم كقومية من القوميات الصينية، ويمكن أن يولد مواطن ويغوري في منطقة أخرى من الصين. والولايات المتحدة الأمريكية تميز أحيانا ضد ذوي الأصل الأفريقي كما في حوادث عنف الشرطة الأمريكية ضد ذوي الأصول الأفريقية. وبريطانيا أعطت وعد بلفور لليهود وتركت لهم الهجرة لفلسطين وهم بدورهم دمروا القرى الفلسطينية واستولوا على الأراضي وتركوا للفلسطينيين الفتات.

أما بخصوص العلاقة العربية- الصينية فلن تتأثر بما يردده الأمريكيون والأوربيون عن هونغ كونغ أو شينجيانغ.

أترك تعليق

Slider