الذاكرة العربية في مدينة “تشيوانتشو” أهم موانئ طريق الحرير

ghassan . عين عالصين 335 لاتعليقات

إذا أردت العثور على الآثار التي تركتها الحضارتان العربية والفارسية القديمتان في الصين، فمن شأن الآثار القديمة التي مازالت موجودة في تشيوانتشو بصفتها إحدى نقاط الانطلاق المهمة لطريق الحرير البحري، تقديم إجابات واضحة وجلية عن ذلك.

 

تتضمن هذه الآثار كثيرا من المقابر والنصب التذكارية المنقوش عليها باللغة العربية، والمتميزة بخصائص الثقافة الإسلامية ، ومسجد الأصحاب باعتباره أحد أقدم المساجد التي مازالت متواجدة في الصين إلى جانب مقبرة لينغشان للمسلمين في الضاحية الشرقية في المدينة، وكذلك النقوش الصخرية التي سجلت أدعية لهبوب الرياح عند مغادرة الأساطيل التجارية البحرية القديمة وعودتها.

 

لا تزال هناك مئات القبور والنصب التذكارية ذات نقوش كتبت باللغتين العربية الفارسية، ورسوم ذات خصائص الثقافة الإسلامية ، التي احتُفظ بالعديد منها في متحف تشيوانتشو لتاريخ الملاحة والمواصلات الخارجية.

 

وعند زيارتنا هذا المتحف، تصادفت الزيارة مع إقامة معرض التراث الثقافي غير المادي العربي، ومعرض الصور الفوتوغرافية العربية في عيون الصينيين.

 

وقالت دينغ يوي لينغ ، مديرة المتحف ، إن تشيوانتشو كانت تعتبر مدينة عالمية كبرى، حيث عاشت فيها جالية من العرب المسلمين، تركت آثارا مادية وثقافية وافرة.

 

وذكرت دينغ أن ما يحتفظ به المتحف من توابيت وشواهد قبور يحوي معلومات حول الأشخاص المتوفين، وآيات من القرآن الكريم، وهي أدلة دامغة بحث عنها أحفادهم.

 

وأضافت أن بعض السياح العرب وجدوا بشكل غير متوقع في تلك النقوش أسماء أجدادهم، ما أصابهم بدهشة كبيرة حول عمق جذور العلاقات بين الحضارتين الصينية والعربية الضاربة في أعماق التاريخ.

 

وأشارت دينغ إلى العدد الكبير للقادمين العرب والفرس إلى مدينة تشيوانتشو الساحلية عبر طريق البخور خلال عهد أسرة سونغ الجنوبية الإمبراطورية (1127م – 1279م) وأسرة يوان الإمبراطورية (1271م – 1368م).

 

فقد أصبح الميناء الشرقي الكبير موقعا يعج بالعرب والفرس في شرق آسيا، مضيفة أن أكثر من 50 ألفا من أحفاد العرب يعيشون حاليا في تشيوانتشو.

 

وفي مسجد الأصحاب الذي ليس بعيدا جدا عن المتحف، يتسم برج بوابته وجدرانه وأبوابه ونوافذه القائمة بنمط البناء العربي، حيث قالت جين مينغ وهي عاملة في لجنة إدارة المتحف إن المسلمين العرب بنوا هذا المسجد في عام 1009 بمواد من الصخر البركاني النقي والجرانيت ما جعله يبقى لمئات السنين.

 

ووفقا لدراسات الخبراء وبحوثهم فإن التجارة بين الصين وغرب آسيا والغرب بشكل عام تمت عبر الطرق البحرية حيث ازدهرت بشكل غير مسبوق في عهدي أسرة سونغ الجنوبية الإمبراطورية وأسرة يوان الإمبراطورية.

 

وكان التجار العرب والفرس في الطليعة، حيث كانوا يحضرون التوابل والبخور ويعودون بالحرير والخزف.

 

وفي الوقت نفسه دخلت المعارف الصينية لغرب آسيا وانتشرت في أوروبا، أما العلوم والثقافات والفنون الإسلامية فإنها عرفت بشكل تدريجي في الصين على نطاق واسع حتى انتشرت بصمات أقدام المسلمين في مختلف الموانئ والمدن الساحلية الرئيسية في الصين.

 

هذا وقد بنيت ستة أو سبعة مساجد في مدينة تشيوانتشو في عهد أسرة يوان الملكية تركزت بشكل رئيسي في مجمعات جالية المسلمين في المنطقة الجنوبية الشرقية من المدينة لكن معظمها اختفى مع مضي التاريخ.

 

ويوجد في بلدة فنغتشو في محافظة نانآن القريبة من قلب مدينة تشيوانتشو مقصد سياحي لا يعرفه السياح العاديون ويسمى بجبل جيوريشان.

 

ورغم أن هذا الجبل لا يبدو مهيبا وضخما، بيد أنه يعتبر تراثا ثقافيا على المستوى الوطني، يسجل تاريخ أكثر من ألف سنة لإقامة صلاة الرياح لمغادرة السفن التجارية وعودتها في عهد أسرة سونغ الإمبراطورية.

 

ومن ناحيته قال هو جيا تشي ، المستشار في مديرية جيوريشان للآثار القديمة ، إن من بين عشرات النقوش الصخرية التي مازالت موجودة في الجبل، هناك عشرة نقوش تتعلق مباشرة بطريق الحرير البحري، وتسجل بضعة عشر من النقوش مراسم صلاة الرياح في عهد أسرة سونغ.

 

وقد وصل حجم التجارة عبر طريق الحرير البحري إلى ذروته خلال عهدي أسرتي سونغ ويوان الإمبراطوريتين، حيث كان ميناء تشيوانتشو مزدهرا، وكانت السفن المغادرة أو الواصلة إلى الميناء فإنها تبحر كل شتاء بفضل الرياح الشمالية ، بينما ترجع إلى الميناء كل ربيع مع الرياح الجنوبية ولذلك أقام المسؤولون مراسم للدعاء بسلامة الرحلات البحرية.

 

ووفقا لدراسات الخبراء فإن التجارة الخارجية الصينية في عهد أسرة سونغ تجاوزت بكثير نظيرتها في عهد أسرة تانغ  (618م – 907م)  من حيث الحجم والنطاق.

 

وخاصة في عهد أسرة سونغ الجنوبية ، إذ برزت أوضاع “اعتماد الدولة على الأجزاء الجنوبية الشرقية” ما أسهم في توفير المنتجات عبر التجارة الخارجية ودفع تنمية طريق الحرير بشكل سريع.

 

وذكر هو عبارات نقشت في جبل جيوريشان تقول “أن البحر كالطريق، والطريق يجلب السفن التي تعود وتغادر ميناء الزيتون )اسم ميناء تشيوانتشو القديم(، دود القز يولد شرانق ، والشرانق تصنع الحرير الذي يشحن إلى الخليج العربي.”

 

وأضاف هذا الخبير أن عدد التجار الأجانب الذين اتجهوا إلى الصين في عهد أسرة سونغ ازداد بشكل كبير عما كان عليه في الماضي ، وكان من بينهم العرب من دولة “داشي” بشكل أكبر.

 

واستخدم اسم “داشي” القديم في المراجعة التاريخية القديمة في الصين للإشارة إلى مناطق واسعة تغطي غرب آسيا وأفريقيا الإسلامية ومن بينها المدن المشهورة مثل “ماجيا” (مكة المكرمة( و”بيسيلوه” (البصرة( و”وسلي” (القاهرة).

 

وبعد مرور ألف سنة ازداد حجم التجارة ونطاقها وتنوعها بين الصين والدول العربية.

 

إذ تشير الأرقام الرسمية إلى أن الشرق الأوسط أصبح أكبر شريك تجاري بالنسبة إلى مدينة تشيوانتشو ، علما بأن هذه المناطق أصبحت أكثر أسواق تشيوانتشو تصديرا من حيث نسبة النمو بزيادة 27 في المائة على أساس سنوي.

 

وتواجه المدينة فرصة نادرة جديدة على خلفية طرح مبادرة “الطريق والحزام” (الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الـ21) حيث تبذل جهودها لتعزيز التبادلات التجارية والثقافية مع الدول العربية.

 

وحول ذلك قال مسؤول بمصلحة التجارة المحلية أن المدينة تسعى إلى رفع مستوى التعاون في مجال صناعة البتروكيماويات مع دول الشرق الأوسط لبناء “مجمع طريق الحرير البحري للبتروكيماويات” فضلا عن إنشاء مراكز تصنيع لمواد البناء وتسويقها في دول الشرق الأوسط.

 

وقد أشارت أرقام صادرة عن مصلحة التجارة المحلية إلى أن منطقة الشرق الأوسط أصبحت أكبر شريك تجاري لمدينة تشيوانتشو في عام 2014 ، وسوقا تشهد أسرع نمو لصادرات المدينة بزيادة 27 في المائة على أساس سنوي.

 

وبعد انعقاد اجتماع المدن الصينية-العربية الأول 2014 في تشيوانتشو طرحت المدينة مبادرة بناء “اتحاد مدن طريق الحرير البحري للقرن الـ21” وقد انعقد اجتماع للاتحاد في المدينة في فبراير الماضي.

 

وتحفظ العديد من الآثار القديمة في المدينة الذاكرة العربية على طريق الحرير البحري القديم، وسوف تشهد بناء “طريق الحرير البحري للقرن الـ21.

أترك تعليق

Slider